أزمة العراق المالية: من المكابرة إلى المواجهة

اعترفت الحكومة العراقية رسمياً بعجزها المالي، في اعتراف متأخر جاء بعد شهور من الإنكار والتجاهل، ليضع الشعب أمام واقع مرير يتمثل في تعليق مستحقاته المالية وسط أزمة سيولة غير مسبوقة.لم يكن إعلان الحكومة عن شح الخزينة مفاجئاً للمراقبين، بقدر ما كانت المفاجأة الحقيقية تتمثل في استمرار البعض في التطمين بأن الأمور على ما يرام، مكتفين بالنظر إلى الاحتياطيات الدولارية التي كانت تغطي الرواتب مؤقتاً. لكن الأيام كشفت أن الإيرادات النفطية، التي تشكل العمود الفقري للميزانية العراقية، تتعرض للنضوب قبل وصولها إلى خزانة الدولة، إذ تتقاسمها جهات متعددة: الفاسدون، المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالأحزاب، جماعات السلاح، الدائنون، والموظفون الوهميون، ليأتي دور الموظف الحقيقي في آخر القائمة.في ظل هذا النموذج المالي المتفلت، لا تكمن المشكلة الجوهرية في تقلبات أسعار النفط أو تراجع الصادرات فحسب، بل في سياسات حكومات متعاقبة أنفقت بتبذير على مدى سنوات، وكأن وفرة الإيرادات أمر مضمون إلى الأبد. إن العراق لا يعاني من شح في الموارد بقدر ما يعاني من سوء تدبيرها، وأي تحسن مؤقت في أسعار النفط لن يكون أكثر من استراحة قصيرة تعقبها أزمة أشد، ما لم تشرع الحكومة في إصلاحات هيكلية تشمل وقف الهدر المالي، ضبط الرواتب، إنهاء التوظيف الوهمي، مكافحة الفساد، استرداد الأموال المنهوبة، تفكيك المكاتب الاقتصادية الحزبية، وتنمية موارد غير نفطية. فالدولة التي تعجز عن حماية إيراداتها وترشيد إنفاقها، لن تنقذها الاحتياطيات إلى الأبد، ولن يتحمل المواطن والموظف وطأة الفساد إلى ما لا نهاية.نحن اليوم في مرحلة تحصيل نتائج تراكمات تجاوزت عشرين عاماً من الإخفاقات، شاركت فيها حكومات متعاقبة، أحزاب، برلمانات، مؤسسات رقابية، وكل من استفاد من هذا النظام أو تغاضى عنه أو برره. فالجميع كان منشغلاً بتقاسم المنافع، فيما تحولت مؤسسات الرقابة إلى جزء من المحاصصة، وآثرت الجهات المفترض أن تحاسب الفاسدين الصمت أو الاكتفاء بالشعارات، بينما مرر البرلمان موازنات متضخمة، وتعاملت القوى السياسية مع الدولة كغنيمة، وعجزت المؤسسات الرقابية أو تواطأت، وبررت النخب الفشل، وانشغل الإعلام بالمعارك الجانبية، وقبل الجمهور شراء صمته بالتعيينات والامتيازات.الكل كان يدرك أن الأوضاع تتجه نحو الانفجار، لكن الإصلاح كان يهدد المصالح، فتأجلت المواجهة، واليوم بعد أن ضاقت الموارد وتراكمت الديون، يتحدث الجميع عن الإصلاح، لكن السؤال الأهم: أين كانوا حين كانت الدولة تملك فائضاً مالياً وفرصة حقيقية لبناء اقتصاد متنوع؟ما يواجهه العراق اليوم ليس مجرد أزمة سيولة طارئة، بل هو نتاج نظام سياسي واقتصادي قائم على المحاصصة والفساد وسوء الإدارة، أهدر فرصة تاريخية غير مسبوقة. وإذا استمر التعامل مع الأزمة بالإنكار والمسكنات والاقتراض، فإن فترة دفع الثمن ستتحول إلى عقود من التراجع، يدفع كلفتها شعب لم يحصل على نصيبه العادل من ثروة بلاده.أما الحديث عن بيع عقارات الدولة لتوفير الرواتب، كما تتجه إليه الحكومة الحالية، فهو خيانة للأمانة وخطيئة تضاف إلى سلسلة خطايا الحكومات المتعاقبة. فممتلكات الدولة هي أصول للشعب العراقي، والحكومات هي سلطات مؤتمنة على حفظها وتنميتها، وليست لها صلاحية التفريط بها. فالعجز المالي لا يبرر التعدي على أملاك الدولة، خاصة في بيئة تعاني من ضعف الرقابة وانتشار الفساد، حيث سيتحول البيع إلى أكبر عملية إعادة توزيع غير عادلة للثروة العامة لصالح النافذين، إذ ستباع الأصول بأسعار متدنية أو بمناقصات غير شفافة، لتنتقل ملكية أصول استراتيجية إلى شبكات المال والنفوذ، ما يزيد تركيز الثروة بيد الفئات المستفيدة من الفساد، ويضعف الدولة أكثر بعد فقدانها أجزاء من ثروتها المستقبلية.إن الحل الأمثل للاستفادة من عقارات الدولة لا يكمن في بيعها، بل في استثمارها وتطويرها، أو إبرام شراكات استراتيجية تحقق إيرادات مستدامة مع الحفاظ على ملكية الأصول للأجيال القادمة. لذا، يتعين على الحكومة إخراج عقارات الدولة من حساباتها المعالجة للأزمة، والبحث عن بدائل حقيقية تعالج الخلل المالي دون المساس بمقدرات البلاد. فالدول الرشيدة تبني أصولها وتضاعف قيمتها مع الوقت، أما التي تبيع ممتلكاتها لتمويل الإنفاق الجاري، فهي دول فاسدة فشلت في أداء أمانتها تجاه شعبها.



